ماسح أحذية حاصل على ليسانس آداب من جامعة القاهرة ويجيد 5 لغات أجنبية

Print


ماسح أحذية حاصل على ليسانس آداب من جامعة القاهرة ويجيد 5 لغات أجنبية
ماسح أحذية حاصل على ليسانس آداب من جامعة القاهرة ويجيد 5 لغات أجنبية



الابتسامة لا تفارق وجهه حتى فى أصعب الأوقات، يرى أن العمل لا يعيب صاحبه طالما كان حلالا ولا يخالف القانون، الأفضل ألا تجلس فى منزلك تبكي على حالك دون محاولة تغيير أوضاع ، كل هذه المعانى وغيرها تتجسد أمام كامل سالم الجالس أمام صندوقه لتلميع الأحذية فى ميدان الجيزة.
إذا صادفت كامل سالم فى ميدان الجيزة، وأخبرك اتقانه خمس لغات وتخرجه من كلية الآداب شعبة الإسبانى بجامعة القاهرة قبل سنوات، ربما لن تصدقه لا لشيء سوى كم الرضا البادي على وجهه والابتسامة المرسومة عليه، فلا هو يلعن ظروف قطاع السياحة التى دفعته لهذا العمل وفى هدوء شديد ينتظر زبائنه من الصباح حتى مغيب الشمس ولا يفارق موقعه إلا لصلاة الفروض فى وقتها بأى مسجد قريب منه.

متى بدأت الحكاية؟
حكاية كامل سالم بدأت قبل 20 عامًا عندما تخرج فى كلية الآداب شعبة الإسبانى، فقد قرر السفر للعمل فى شرم الشيخ لكن لغته لم تكن الرائجة فى هذا الوقت مما دفعه لتعلم اللغة الروسية بالمركز الثقافى الروسى لينطلق فى رحلة طويلة ممتدة مع السياحة لم تنته إلا فى أكتوبر 2015.
حيث زادت معاناة قطاع السياحة مما دفع كامل سالم ليحزم حقائبه مثل كثير من زملائه الذين تضررت أرزاقهم، وعاد للقاهرة ومعه ما جناه في عمله ولم يكن فى مخيلته طول فترة ابتعاده عن عمله بالسياحة أن يدخل فى دوامة مطالب عائلية تنهى "تحويشة العمر".
كامل سالم المتقن للغات الإسبانية والإنجليزية أثناء دراسته بالجامعة ثم الروسية والإيطالية والألمانية عبر كورسات، حاول الاستعانة بخبراته طول مسيرته المهنية فى السياحة لإيجاد عمل يساعده ليسد احتياجات أسرته المكونة من زوجته و4 أطفال لكن هذا لم يكلل بنجاح.

لعنة التعليم العالى
لم يجد أمامه سوى العمل بالمثل الشعبى "الجودة بالموجودة"، فقرر كامل النزول إلى السوق العمل بما هو متاح فلم يمانع فى العمل كعامل نظافة أو فرد أمن أو بائع فى شركة أدوات منزلية إلا أن المثير للدهشة، هو أن رصيده من الخبرات العملية والعلمية تسبب له فى مشاكل له بوظائفه الجديدة، فلم يكن من المستساغ لدى مشرفيه الجدد وجود شخص يفوقهم فى الدرجة التعليمية يعمل معهم، لذا انتهت رحلته سريعاً مع تلك الأعمال المختلفة.
السقوط مرة لا يعنى انتهاء كل شيء، يقول الشاب الذي اقترب من الأربعين، بينما يحاسب أحد زبائنه، فخطر على باله العمل في تلميع الأحذية للمارة فى الشوارع وأمام المقاهى، إذ لجأ إلى أحد أقاربه يعمل نجارا من أجل تصنيع صندوق خشبى وبالفعل أتم الطلب ودفع له 80 جنيهًا نظير صنيعه.

وفور تجهيز الصندوق الخشبى والانتهاء من شراء معدات تلميع الأحذية.. اتبع كامل سالم نهج "ارمى كل اللى فات وراء ضهرك وابدأ من جديد".. الحزن على الماضى لن يجدي، وماذا سيفيد تذكر أيام تحصيل 15 ألف جنيه شهريًا، إضافة إلى العمولات من البازارات السياحية التى كان يصطحب الأفواج إليها؟!، الوضع الآن يختلف كثيرًا وعليه التعامل معه بـ"حلوه ومره".

دائما يقول لنفسه أثناء جلوسه بجوار صندوق تلميع الأحذية: "فى السويد نسب الانتحار مرتفعة بسبب الرفاهية الشديدة، ونحن فى مصر نعمل من أجل الحياة ونحب بلدنا مهما حدث لها أو عاندتنا الظروف وأحاطت الأزمات بنا".. وكذلك يتذكر دومًا رواية لأحد أصدقائه يعيش فى ألمانيا عن صاحب مطعم بيتزا يفضل العمل بيديه وتقديم الأطعمة للزبائن ولا يريد الاستراحة أبدًا وعندما يسألوه عن السبب فى هذا السلوك، يرد : العمل أفضل شيء والنقود الإضافية مكسب لى ولكم!.
يوم كامل يبدأ فى السابعة صباحًا جالسًا أمام أحد المقاهى المنتشرة فى أرجاء ميدان الجيزة وفى الغالب ينتهى فى الخامسة أو السادسة مساءً، ويحمد الله إذا نجح فى تحصيل 100 جنيه لأن فى هذا الحالة المكسب الصافى لا يتجاوز 60 جنيهًا بعد طرح مصاريف من الإفطار والمواصلات وشراء مستلزمات التلميع لليوم التالى.

أمل فى مستقبل أفضل
يُصادف كامل مواقف متباينة خلال يومه، فالجلوس فى الشارع يعنى مقابلة الطيب والسيئ! إلا أنه يرى فى حمد الله طوق النجاة من أى مكروه.. وليس هذا فحسب إنما هناك مواقف إنسانية أخرى يصادفها ليست فى الحسبان مثلاً صديق قديم له رآه جالسًا على المقهى.. فذهب لتحيته وعندما أخبره بحقيقة عمله اندهش بشدة ثم عاد ليحيه على تصرفه لأن الشغل ليس عيبًا، وأخبره بجلوسه فى المنزل بالوقت الحالى بدون وظيفة.

عند عودته للمنزل يتلقى كامل أسئلة من أبنائه عن سبب تغيير لون أصابعه لأنه لم يخبرهم بحقيقة عمله الجديد لأنهم مازالوا صغارا وأكبرهم فى المرحلة الإعدادية ولن يتقبلوا أو يتفهموا الفكرة لكنه على يقين بسعادتهم فى المستقبل عند علمهم بكل ما فعله من أجل توفير الحياة الكريمة والمناسبة لهم.
يطمح كامل بالحصول على فرصة عمل أفضل بكل تأكيد يصرف منها على أسرته خلال الفترة القادمة فى أى مجال إلا أنه فى نفس الوقت يريد توصيل رسالة هامة بخصوص العاملين فى مهنة تلميع الأحذية وهى أنهم ليسوا فئة أقل من أى شىء، ولا يجب مطاردتهم بالشوارع مثلما يحدث فى بعض المناطق خاصة أنه يسعون لكسب قوتهم بالحلال رغم تكبدهم مشقة وعناء شديد.



#الكلمات المتعلقة

اضف تعليق

الي الاعلي