من ذاكرة التاريخ: الإخشيدى العبد الخصي الذي حكم مصر!

Print


من ذاكرة التاريخ: الإخشيدى العبد الخصي الذي حكم مصر!
من ذاكرة التاريخ: الإخشيدى العبد الخصي الذي حكم مصر!



د-أحمد هندي:

كان كافور عبداً حبشياً اشتراه الإخشيد من مصر بثمانية عشر دينارا ليعلم ولديه ،ووصل عن طريق المكر والتأمر إلى أن أصبح والياً على مصر والشام ،وحمل لقب سادته الاخشيدى .

والأخشيد لقب كان يحمله بعض ملوك مصر الفراعنة ،وهو يشبه لقب القيصر لملك الروم وكسرى لملك الفرس والنجاشى لملك الحبشة وفرعون لملك مصر .. وقد حصل محمد بن طغج على هذا اللقب من الخليفة الراضى تقديرا لخدماته ،ونسبة إلى هذا اللقب عرفت الدولة التى أقامها بمصر والشام .. وقد ولى الخليفة الراضى واحدا منهم ليعاونه فى ايقاف زحف الفاطميين ،وهكذا بدأت الدولة الأخشيدية وسرعان ما حصلت على حق توريث الحكم ،وقيل أن العلماء فى نهاية الدولة استدعوا الفاطميين ليقيموا دولتهم فى مصر وحاولت الاستقلال عن الخلافة العباسية .. 

على أن هذه الدولة كانت شخصين فقط ،منشئ الدولة محمد بن طغج ،وخلفه كافور وكان بجانبه إثنان من الحكام لا قيمة لهما إذ تولى الوصاية عليهما وظل هو الحاكم الفعلى حتى بلغ عمره بضعا وستين سنة حكم منها اثنين وعشرين عاما ،منها سنتان وأربعة شهور كان خلالها الحاكم الفعلى والرسمى !! 

ويصف المقريزى كافور فى خططه بأنه كان خصى اسود ،وكان مولى الاخشيد من قبل المطيع على الحرب والخراج ،وجميع أمور مصر والشام والحرمين ،فلم يغير لقبه ،وإنما كان يدعى ويخاطب بالأستاذ ،وكان متحكما فى أيامه وكان وصوله للحكم قمة المهانة فى نظام الخلافة ،حكم مصر عبد حبشى وافد ،لا هو مصرى ولا هو حر ولا زوجة له ولا ولد . 

يقول ابن الياس فى كتابه بدائع الزهور فى وقائع الدهور : أنه لم يل مصر خصى غير كافور ويونس الظفرى الذى ولى سلطنة العراق ،وكان خصيا أيضا ،وأنه عندما ولى خطب له على منابر الديار المصرية وأعمالها ،وكذلك الشام والحجاز ،ودعى باسمه على المنابر وكان يكتب علامته على المراسيم : القلم بمده، والسيف بحده ،والعبد بسعده ،لا بأبيه ولا بجده !! 

ويصف أبو المحاسب كافور فى كتابه النجوم الزاهرة ،إنه لكى يستأثر بالسلطة حرص على علاقته بكل من الخليفة العباسي ، والخليفة الفاطمى فكان يهادى المعز صاحب المغرب ، ويظهر ميله إليه ، وكذا يذعن بالطاعة لبنى العباس ويدارى ، ويخدع هؤلاء وهؤلاء !!

ويرى المقريزى أن عهد كافور كان حالك السواد مثله ، فقد تعرضت فيه مصر لغزوات وانخفض ماء النيل وعم الغلاء ،إلا أن إبن تغرى يرى فيه أنه كان فطنا ذكيا ،جيد العقل داهية ،يدارى ويخادع ، وكان يخرج فى الأعياد ،حمل بغل من الذهب ،وكشوفا بأسماء المحتاجين ،ويمر عليهم رجاله ، يقصدون الأبواب ،ويسلمونهم المنح قائلين :الأستاذ أبو المسك كافور ،يهنئك بالعيد ،ويقول لك اصرف هذا فى منفعتك !! 

وفى عهده كان الشاعر أحمد أبو الطيب المتنبي الذى جاء من الكوفة إلى مصر عن طريق حلب ، وعاش فى بلاط كافور أربع سنوات ،ويقول إبن الياس : وقد أبدع المتنبى قصائد كثيرة فى مدح كافور ولم يكفه المال الذى حصل عليه ،فقد كانت أطماعه أكبر بكثير ،كان يريد ولاية أن يصبح واليا لأحدى الولايات يعينه فيها كافور ،فإن هذا الرجل العبد قد أصبح خليفة ،وهو أكثر منه فهما ،وعلما وغرورا ،إلى حد أنه أدعى النبوة فلماذا لا يكون واليا ؟؟

وربما تصور أن الولاية قليلة عليه بعد أن رأى ماهو فيه كافور ، يستطيع أن يدعى الملك ، وقيل لكافور ماقدر هذا الرجل حتى تخاف منه ،فقال : هذا رجل أراد أن يكون نبيا بعد محمد صلى الله عليه وسلم فهلا يروم أن يكون ملكا بمصر . 

وطال انتظار المتنبى لقرار الولاية وكتب إلى كافور يستعجله ليعطيه هذا القرار ( قصيدة طويلة جاء فيها ) : 

وفى النفس حاجات وفيك فطانة ،سكوتى بيان عندها وخطاب . 

ولما علم المتنبي برأى كافور ، وأيقن أنه لن يحصل على ما يريد ترك مصر ،وكانت قصيدته الشهيرة فى هجاء كافور : 

أكلما أغتال عبد السوء سيده ..أو خانه فله فى مصر تمجيد .

صار الخصى أمام الأبقين بها 

فالحر مستبعد والعبد معبود.. 

لاتشترى العبد الا والعصا معه أن العبيد لانجاس مناكيد..من علم الأسود المخصى مكرمة..أقومه البيض أم اباؤه السود أم أذنه فى يد النخاس دامية .. أم قدره وهو بالفلسين مردود !!! 

ويقول ابن إياس : وطويت صفحة المتنبي بالقتل ، لما احاطوا به ليقتلوه هم بالهروب ،فقال له عبده أين قولك ياسيدى الخيل والليل والبيداء تعرفنى والسيف والرمح والقرطاس والقلم ،فلما سمع ذلك قال : قتلتنى يافلان وثبت مكانه حتى قتل ..!! 

وفى كتاب موسوعة تاريخ مصر ، يقول أحمد حسين : أنه لما مات كافور حمل تابوته إلى دمشق ليدفن فيها ، ويقول ابن إياس أنه دفن فى القرافة الصغرى ، وتولى بعده أحمد بن على بن أبى بكر الأخشيدى ، وكان يعرف بأبى الفوارس حفيد الأخشيد لينتهى عصر الإخشيد كافور هذا العبد الأسود الداهية والمتآمر لعب على كل وجه وجبهة وقضى على كل من اعترض طريقه ، خبيرا بالسياسة يكثر من إرسال الهدايا إلى المعز فى المغرب ، ويبعث برسله إلى العباس فى بغداد كل منهما يظن أنه معه !! 

كافور العبد الخصى الذى حكم مصر !!!!


#الكلمات المتعلقة

اضف تعليق

الي الاعلي