من عظماء التاريخ "هارون الرشيد"!!

Print


من عظماء التاريخ "هارون الرشيد"!!
من عظماء التاريخ "هارون الرشيد"!!



د-أحمد هندي:

بويع هارون الرشيد وتولى الخلافة يوم مات أخوه الهادى وظل خليفة ٢٣ عاما ،وقد شهدت هذه الفترة وجوهاً متعددة لهارون الرشيد ،فهو الحاكم شديد التدين والورع يسعى لأداء الفرائض ويصلى كل يوم مائة ركعة ويحج كل عام ماشياً ومعه مائة ألف من العلماء وأبنائهم ،ويمهد الطريق ليحج الناس فى يسر ،يرفض الظلم ويقرب العلماء ويرعى الشعراء .. وهو الحاكم الشديد والذى يعب من لذات الدنيا بترف فيعيش فى القصور حياة لاهية بين الجوارى ،ومجالس الشراب حتى اشتهر بشرب النبيذ ، ويسمع الغناء ويثيب عليه أعظم الثواب، وهو الحاكم الذى يسعى لتطوير بلاده بحيث تكون متحضرة تمتد بصلات مع أعرق الدول والحكام فى وقته يعطيهم قبل أن يأخذ منهم، حاكم واسع العطاء شديد القسوة ، ينكل بمعارضيه ،ويقتلهم حتى على مجرد الاشتباه فيهم ،وهو الحاكم رقيق القلب ،سريع الدمع .. 

كان يعاصره فى أوروبا شارلمان ، الذى حكم فرنسا ،ثم ألمانيا وايطاليا ،وكان يريد أن يمتد إلى زوار القدس ،فسعى إلى مصادقة هارون الرشيد ،الذى كان يريد أضعاف نفوذ الأمويين بالأندلس واتخذ من صلاته الأوروبية وسيلة لتحقيق هدفه ،وهكذا أرسل إلى أوروبا أطباء من العرب ،وأرسل إلى شارلمان هدايا منها ساعة وفيل وبعض الأقمشة النفيسة ، ورأى رجال شارلمان أن الساعة من الأمور السحرية ،فهموا بتحطيمها ولكن الإمبراطور شارلمان منعهم ،وكان ذلك أحد الدلائل على تقدم الحضارة الإسلامية وتفوقها فى ذلك الوقت المبكر ،الذى وصلت فيه الخلافة الإسلامية أقصى درجات المهابة والاحترام.

وقد تزوج هارون الرشيد من أربع نساء ،وأنجب أثنى عشر ولدا ذكرا وأربع بنات ..

يقول الذهبى أن أخبار الرشيد يطول شرحها ،ومحاسنه جمة ، وله أخبار فى اللهو واللذات المحظورة ،والغناء وكان الرشيد يبكى على اسرافه فى ارتكاب الذنوب ،فقد امتدت فى عهده مجالس الشراب واللهو والغناء والطرب .. ووصف ابن طباطبا دولة هارون الرشيد بأنها من أحسن الدول وأكثرها وقارا وخيرا ،واوسعها رقعة ،ولم يجتمع على باب خليفة من العلماء والشعراء والفقهاء والقراء والقضاة والكتاب والندماء ما اجتمع على باب الرشيد، وكان يصل كل واحد منهم أجزل صلة ، ويرفعه إلى أعلى درجة ،وكان أديباً شاعراً رواية للأخبار والآثار والأشعار صحيح الذوق ،مهيبا عند الخاصة والعامة ،واجتمع له مالم يجتمع لأحد من جد وهزل وبلغت بغداد فى عهده درجة عالية من الحضارة والعمران فبنيت فيها القصور الشاهقة ، وزادت موارد ثروتها ،وكانت تصل إليها التجارة من أقصى البلدان ، والرشيد هو الذى أنشأ بيت الحكمة ،وفى عهده كان كتاب ألف ليلة وليلة أشهر الكتب العربية والذى نقل إلى كل لغات العالم !! 

وفى كتاب تاريخ اليعقوبى أن الرشيد واجه ثورة البربر على العباسيين ،وواجه قيام دولة الأدارسة بالمغرب ،كما واجه قيام الخوارج ،فاستخدم طرق جديدة للقتل هى القتل جوعا ،فإن يحيى بن عبدالله بن الحسين بن الحسن هرب من خراسان ودخل إقليم الديلم ،فكتب هارون إلى حاكم الديلم يطلب إعادته وتسليمه إليه مرة أخرى ،ويهدده إذا لم يفعل ، فلما رأى يحيى ذلك طلب الأمان فأمنه ،وأرسله إلى الرشيد فحبسه فلم يزل محبوساً حتى مات ، وقيل إن حارسه منعه من الطعام أياما ،فمات جوعا ..

ويحكى كتاب تاريخ اليعقوبي عن وفاة موسى جعفر أنه حبسه فى بغداد ،وأحضر الرشيد مسرور الخادم ،وأحضر القواد والكتاب والهاشميين والقضاة ،ومن حضر ببغداد من الطالبين ،ثم كشف عن وجهه وقال لهم :أتعرفون هذا ؟ قالوا :نعرفه حق المعرفة هذا موسى بن جعفر ،فقال هارون الرشيد اترون أن به أثرا ومايدل على إغتيال :قالوا لا .. 

كان هارون الرشيد يتجه إلى تعيين إبنه المأمون خليفة من بعده إلا أن زوجته المحبوبة والمفضلة لديه السيدة زبيدة استطاعت أن تضغط عليه ليعين أبنها محمد الأمين .

وهكذا أستقر أن تكون الخلافة لابنه الأمين ثم لابنه من إحدى الإماء المأمون ..ولكن هارون الرشيد قرر أن يتبع أسلوباً جديداً فى أخذ المبايعة ،وأعلام المسلمين بها أن يحيطها بكل الضمانات حتى لاتقع خلافات بين الأخين ، فوضع نظاما تفرد به ،إذ صحب ولديه الأمين والمأمون إلى الحج .. وفى مكة المكرمة أملى على إبنه محمد كتابا يقول :إن أمير المؤمنين هارون ولانى العهد من بعده ،وجعل لى البيعة فى رقاب المسلمين ،وولى أخى عبد الله ابن أمير المؤمنين العهد والخلافة ، وجميع أمور المسلمين بعدى برضى منى وتسليم ،طائعا غير مكره ،وولاه خراسان بثغورها وكورها وأخبائها وخراجها وطرازها وبريدها وبيوت أموالها ،وجميع أعمالها فى حياته ،وبعد موته وشرطت لعبد الله أخى على الوفاء بما جعل هارون أمير المؤمنين من البيعة والعهد والخلافة وأمور المسلمين بعدى فإن أنا نقضت شيئا مما شرطت لهارون ولعبد الله بن هارون أمير المؤمنين أو بدلت أو حدثت فى نفسى أن أنقض شيئا مما أنا عليه أو قبلت من أحد من الناس فبرئت من الله من ولايته ومن دينه ،ومن محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم ،ولقيت الله يوم القيامة كافرا به ومشركا وكل امرأة هى فى اليوم لى أو تزوجتها إلى ثلاثين سنة طالق ثلاثا البتة ،طلاق الحرج والسنة ، وعلى المشى إلى بيت الله الحرام ثلاثين حجة نذرا واجبا فى عنقى ،حافيا ،راجلا لايقبل منى إلا الوفاء بذلك .. ونفس الشئ فعله هارون مع ولده الثانى عبدالله الذى تسمى بالمأمون فقد أملاه شرطا مماثلا وأضاف إليه أنه يتعهد أن يطيع أخاه أثناء ولايته وأن يكون فى خدمته ، وعلق هارون الرشيد على باب الكعبة الوثيقتين ليضمن لهما الانتشار ،وبمجرد عودة هارون الرشيد من الحج .. وكان يسعى لاستقرار الدولة ، فقد مرض فى الطريق وهو يقود الجيش لإخماد ثورة خراسان واضطر إلى العودة لمرضه فى الطريق ،بعد أن عهد بقيادة الجيش لابنه المأمون ، وكان ولى العهد الأول محمد الأمين يستعجل وفاته ،وبمجرد وفاة هارون الرشيد سرقت الوثائق من الكعبة ومزقت وتلاشت الوصية ليسدل التاريخ صفحة على فترة من حياة هارون الرشيد متعددة الوجوه !!


#الكلمات المتعلقة

اضف تعليق

الي الاعلي