للاعلان

Thu,26 Nov 2020

عثمان علام

الدين والثورة والذاكرة الشعبية.. وخيال «وجيه أباظة»

الدين والثورة والذاكرة الشعبية.. وخيال «وجيه أباظة»

الكاتب : عمار علي حسن |

07:19 pm 09/10/2020

| رأي

| 580



فى شبابى أُتيح لى حضور احتفال بنصر أكتوبر بدار الأوبرا. جاءت جلستى على مقربة من الفريق عبدالغنى الجمسى والفنان محمود يس. عُرضت مشاهد من الحرب على شاشة ضخمة، فأنارت ظلمة المكان. حين جاء مشهد غرفة العمليات، حيث السادات وأحمد إسماعيل على والشاذلى والجمسى، أجهش الأخير باكيًا، ثم غلب دموعه.
هناك قاعدة تقول: لتذكر «الدفاتر الرسمية» ما شاءت، فما يريده الناس ويصدقونه هو الذى يبقى. وهنا أتذكر أنه قد سبق اتهام الفريق الشاذلى رسميًا بالخطأ والخيانة، لكنه بقى فى ذاكرة الشعب أسطورة عسكرية. وسبق أن اتُّهم خميس والبقرى بأنهما مجرمان، وأبقاهما الناس بطلين، بل يؤرَّخ لإعدامهما على أنه بداية انحراف يوليو 1952 عن مسارها، وتنكُّرها لوعودها. الأفضل أن يكون العدل فى التقييم والحكم وصناعة المصائر قائمًا حيًا، لكن ما عسانا أن نفعل إن كان «الرسمى» فى فصام مع «الشعبى»، مع أن الأجدى أن يتطابقا أو حتى يتماسّا فى رفق.
أصدر الكاتب والباحث كامل رحومة كتابًا بعنوان «التنمية المحلية بالخيال السياسى.. رؤية لتجربة وجيه أباظة». أعتقد أنه قد صادف أهله ووقته فى آن، فنحن فى أيام نحتاج فيها بشدة إلى محافظين من أمثال هذا الرجل الكبير، الذى لا يزال أهل البحيرة، وبعد رحيله عنها بأكثر من خمسة عقود، يتطلعون إلى مَن يملأ الفراغ الذى تركه، فهو الضابط والسياسى والمثقف والإدارى البارع والقائد الواعى المؤمن بدوره الوطنى، أينما حلَّ وذهب، والقريب من الناس، حتى إن عبدالناصر اضطر إلى التراجع عن قرار نقله من البحيرة إلى أسوان عام 1964 بعد اندلاع مظاهرات عارمة رافضة، وإن كان قد عاد بعد أربع سنوات ونقله إلى محافظة الغربية، ثم إلى القاهرة عام 1970، ليعمل بهمة، سابقًا الخطة الرسمية للتنمية.
وكعادة المُعْتَدّ بذاته، الممتلئ بقدراته، اصطدم أباظة بالسادات، فأجرى له محاكمة خاصة، انتهت بسجنه خمس سنوات، لكنه أُفرج عنه بعد ثلاث سنوات قضاها فى مستشفى المعادى، سافر بعدها إلى لندن ثم إيطاليا، ليصبح رجل أعمال ناجحًا ويتفرغ لأعماله الخاصة، حتى وافته المنية عام 1994.
والكتاب الذى هو فى الأساس بحث قُدم إلى مؤتمر عقدته كلية الآداب جامعة دمنهور بعنوان «العلوم الإنسانية ودورها فى التنمية المستدامة واستشراف المستقبل»، العام الماضى، يُعد تطبيقًا جيدًا ومفيدًا لاقتراب أو تصور «الخيال السياسى»، عبر طرح تجربة قائد سياسى ذى خيال، كم افتقدت الإدارة المحلية المصرية أمثاله منذ عقود، من أولئك الذين يمتلكون حلمًا وإخلاصًا، ولديهم معرفة تُمكِّنهم من السير على هذا الدرب.
كأن «رحومة» ببحثه هذا، الذى يصب فى سلسلة كتبه المتوالية عن البحيرة منذ فجر التاريخ وحتى أيامنا هذه، أراد أن يقول بوضوح: مصر فى حاجة إلى سبعة وعشرين محافظًا من أمثال وجيه أباظة، بغض النظر عن الخلفية المهنية.
هل الدين «ثورة» أم «حركة إصلاح»؟ إنه سؤال عريض عميق، لا يكف عن الطرح، ولا تُشفى الإجابات عليه غليلًا ولا عليلًا، فهى تتجدد بمرور الوقت، مع استمرار الطلب على العقائد الدينية سواء لأداء وظيفتها الأصلية فى الامتلاء الروحى والسمو الأخلاقى والصالح العام والتطبيب الاجتماعى، أو لتوظيف الدين فى تحصيل السلطة السياسية، والثروة الاقتصادية، والمكانة الاجتماعية، والقوة المقاتلة أو المجاهدة، التى تبرر التوسع والهيمنة باسم الله.
هذا السؤال المهم لا يمكن البحث عن إجابة عنه فى جدل المتناطحين من أجل المصالح الضيقة والمنافع الذاتية، ولا فى التفسيرات التقليدية والتأويلات السطحية، ولا حتى فى النصوص ذاتها، لأن النص لا يبقى حبيس الأوراق والألسنة، إنما ينزل ويسرى بين الناس فى التناول والتداول والتفاعل والتشاكُل، ولذا فلابد من أخذ كل عناصر الفهم والإدراك المتعلقة بهذه المسألة فى الحسبان، وهى النص، والتجارب الذاتية، والمسارات التاريخية، والأفكار التى طرحها أتباع الأديان ومنتقدوها، ومدى قدرتها على تلبية احتياج الناس إلى إطار أو مرجعية تحكم مسار حياتهم.
مثل ذلك الفهم العميق الواسع يتوفر فى هذا الكتاب، الذى يحوى أطروحة الدكتوراه فى الفلسفة السياسية للباحث الجاد المجتهد الطموح د. حمدى الشريف، وفيها بذل الباحث جهدًا فائقًا للمقارنة بين تجليات الدين والثورة فى النص والفهم والتجربتين الإسلامية والمسيحية، ليعرض الأمرين فى تجرُّد وإحاطة كى يخرج بعطاء معرفى وارف، معروض بلغة رصينة يسيرة على الأذهان، بما يجعل هذا الكتاب مفيدًا للمختص فى هذه المسألة والقارئ العام على حد سواء.
أعتقد أن معاداة الرجل للمرأة عمل أخرق. وكثير ممن اشتهروا بعدائهم للمرأة لم يكونوا صادقين، وبعضهم كان هشًا وقانطًا لمروره بتجربة عاطفية قاسية فاشلة، وبعضهم لم يستطع الاستغناء عن العاطفة حيال النساء مثل العقاد، الذى أحب وهو شيخ فتاة صغيرة، رغم هجائه الدائم للمرأة وإصراره على حياة العزوبية، أو توفيق الحكيم، الذى تزوج فى النهاية بامرأة وضعت هى شروطًا للزواج. والفيلسوف الألمانى شوبنهور، الذى أعرض عن الزواج، أبدى ندمه وهو فى الثمانين من عمره حين قابل ممرضة جميلة رحيمة بمستشفى عولج فيه.

التعليقات

أستطلاع الرأي