للاعلان

Sat,05 Dec 2020

عثمان علام

كلمتين ونص...ﺃﻳﻦ ﺃﻧﺖ ﻳﺎ ﺃﺑﻲ‏ ؟

كلمتين ونص...ﺃﻳﻦ ﺃﻧﺖ ﻳﺎ ﺃﺑﻲ‏ ؟

الكاتب : عثمان علام |

12:50 am 16/11/2020

| رئيس التحرير

| 1497



يوماً ما ، كنت اشفق على أمي من ضغوط أبي، حتى من مجرد أن يحملها مشقة إعداد الطعام له ، بل كنت اوشك أن اصفعه كما كان يصفعها ، لكن لم أكن لأفعل ذلك ابدا ، فأبي كان حنوناً رغم قسوته وسهلاً رغم صعوبته ومنكسراً رغم قوته ..كل شيئ كان ينتهي في دقائق ، لم يكن الخصام يطول ولا القطيعة تستمر ولا الهجران يدوم .

 

إن ميل الأبناء تجاه الأمهات أكثر من الآباء طبيعة فطرية ، اعتدنا عليها جميعاً منذ الصغر ، فهم ﻋﻨﺪﻣﺎ ﻳﻌﻮﺩون ﻣﻦ مدارسهم ﻳتجهون صوب المكان المعتاد لوجود أمهم ، ولا يتكبدون مشقة الزحف صوب المكان المتواجد فيه الأب ، ولا حتى مجرد عناء البحث عنه ، بينما يزعقون بأعلى الأصوات "ماما أنتي فين".. إن وجدت في مكان غير معتاد..هم يدفعون بأغلى ما يمكن أن يملكوه للأم دون التفكير فى الأب ، يوفرون من مصروفهم ويحملون وردة أو قطعة شيكولاتة اليها ، رغم ان الأب هو من يتعب وينفق ويتحمل ثقيل الأحمال من الهموم لأجلهم .

 

كنت أتعجب من أولادي عندما تدب خناقة بيني وبين امهم ، كأنهم لا يعرفونني ، كأنني غريب سطا عليهم وسلبهم شيئ عزيز لديهم ، يدخلون في شبه مقاطعة لي ، وكلاهما يهمس في اذني بعد هدوء العاصفة ،بأنني المخطئ وأنني لابد وأن اعتذر وأنني من بدأت المعركة .

 

ولفترة كنت اتعجب من هذا ، كيف لهم أن "يطنشوني"، وأنا الأب ؟..وكيف لهم أن يقاطعوني بكل هذه السرعة والسهولة ؟؟.. لكني بعد فترة فهمت وادركت أن حب الأم موجود منذ أن يتكون الجنين ، حبل سري موصول لا يملك الأب مثله ، أما حب الأب فمكتسب من الدفئ والحنان والشفقة والتواجد والإنفاق والحضن ، وهذه أشياء قد يكتسبها المرء مع من رباه بصرف النظر إن كان والده أو جده ..ولهذا ما عدت اعبئ بالتطنيش ولا التفضيل ولا حتى المقاطعة ، بل كثيراً ما أكون سعيداً بذلك ، وعندما اهدء واختلي بنفسي اشعر بالفخر ان ولداي يحبون ويحنون على أمهم اكثر مني ، فهما سلاحها وعكازها وظهرها ، وخروجهم على هذا النحو يبعث الطمأنينة في النفس ، لا سيما عندما تكون محباً وعاشقاً لتلك الأم التي ولدتهم .


والأبناء بطبعهم يحبون الآباء ، يميلون صوب الام أضعاف الأب ، "من أحق الناس بحسن صحابتي؟..قال: أمك ثم أمك ثم أمك "، "ص"، لكن ذلك لا يمنعهم من حب الأب ، غير أن ﺍﻟﻐﺮﻳﺐ أنهم ﻻ ﻳﻜﺘﺸﻔﻮﻥ في الكثير من الاحيان ﺣﺒّﻬﻢ ﺍﻟﺠﺎﺭﻑ ﻵﺑﺎﺋﻬﻢ ﺇﻻ ﻣﺘﺄﺧﺮﺍً ، ﺇﻣﺎ ﺑﻌﺪ ﺍﻟﺮﺣﻴﻞ، ﻭﺇﻣﺎ ﺑﻌﺪ ﺍﻟﻤﺮﺽ ، ﻭﻫﺬﺍ ﺣﺐ ﻣﺘﺄﺧﺮ ، حدث معي شخصياً ، أدركته عندما مات أبي ، شعور لا يمكن أن يدركه إنسان ، إلا من ذاق لوعة الفقد وذل الهجران .

 

وﺍﻵﻥ ﻛﻠﻤﺎ صعبت الدنيا وكلما ضاقت باذرعها وكلما اشقتني الحياة ، وكلما احتجت للحنان ، وكلما هزني الشوق ، اختلي بنفسي لحظات وابحلق في صورة أبي المعلقة فوق الجدران قائلاً : ‏ﺃﻳﻦ ﺃﻧﺖ ﻳﺎ ﺃﺑﻲ‏ ؟

 

 

التعليقات

عبدالحكيم السوسي

2020-11-16 02:36:31

كلماتك شيقه وحقيقي انت انسان مبدع


رأفت

2020-11-16 02:35:42

منذ عرفناك ونطلق عليك اديب قطاع البترول


نجلاء

2020-11-16 02:35:10

السهل الممتنع


مظاليم

2020-11-16 02:33:38

ياريت تكتب عن مظاليم شركات المقاول


دكتور سيد

2020-11-16 02:33:05

اصبت كبد الحقيقة لا نعرف قيمة الاب الا بعد رحيله


نجوى عز

2020-11-16 02:32:13

طول عمر الجريدة دي مصدر للاخبار الصحيحة والتي نثق فيها وكمان مقالاتها مشوقه


علي حسن

2020-11-16 02:31:21

الاستاذ عثمان طول عمرك مبدع


مروه محمود

2020-11-16 02:30:43

ما قرأت اجمل من هذا .. حضرتك انسان موهوب فعلاً وحساس


أستطلاع الرأي