للاعلان

Tue,22 Jun 2021

عثمان علام

كلمتين ونص…بلدي وإن جارت عليَّ !

كلمتين ونص…بلدي وإن جارت عليَّ !

الكاتب : عثمان علام |

05:10 am 10/06/2021

| رئيس التحرير

| 667


أقرأ أيضا: جهات سيادية تراجع قانون فصل الإخوان من الوظائف الحكومية

 

أيدلوجية المهاجرين داخل الوطن ، هي نفس ايدلوجية المهاجرين خارجه ، قياساً بقياس ، وخطوة بخطوة ، تتفاوات المستويات وتتباعد المسافات ، وتختلف الفرص ، وتتنوع الشعوب ، لكن الفكرة قد تكون واحدة .


ما بين الحين والأخر أبحث عن زملاء الدراسة والأصدقاء القدامى ، من كان منهم أكثر تفوقاً فى الدارسة أو من كان في نفس المستوى العلمي المتدني مثلي ، أجد بعضهم ذهب الى حيث لا رجعه ومنهم من لم يكمل تعليمه ، وتسرب بحثاً عن زوجة وبيت وسفرية لبلاد "طال عمرك"، و"أصدقاء الخير "..ومنهم من استسلم للطبيعة الريفية القاسية العاصفة بالأحلام والتطلعات وكبت الذات ، فرضي بعمل بسيط بشهادته التي حصل عليها ، واكتفى بكي جلبابه والسهر مع شلة ظناً منه أنهم يقيمونه وهم سر سمعته الجيدة أو السيئة .

 

أما الذين هربوا من جحيم الريف القديم وفقره وعنفه وجبروته ، صنعوا لحياتهم معنى أخر ، معنى حتى لو كان ممزوجاً بمرارة العلم وجهد حمل الجبال ، لكنه مفيد له وللأبناء .. ترقبوا معي حتى من لم يكن له نصيب كبير فى العلم وجاء للمدينة ملتحفاً جلبابه وحذاءه فقط ، لقد أصبح أفضل حالاً من ابن العمدة الذي ورث عشرات الأفندة ، فاضاعها وظل يبكي بعد أن انفض من حوله المولد على الأرض والعرض المسروقان منه .

 

وتخيلوا حتى مستوى الطبيب والمهندس والمدرس والموظف بشكل عام ، القابع فى الريف القديم ، ومستوى اقرانهم فى المدينة .. ربما هاجر من المدينة البعض حباً فى الريف ، فكتبوا روايات وانشدوا اشعار ، غير أن القابعون كان حظهم سيئ .

 

وهذا حال الهجرة والبحث عن مستوى ومجتمع أفضل ، لا تختلف داخلياً عن خارجياً ، والذي هاجر من بني سويف أو الشرقية للقاهرة ، كمن هاجر من القاهرة لدول الغرب حيث الأنوف الكبيرة المتطاولة والسيدات مكشوفات الصدور والعقول أيضاً .

 

فكل غريب مبدع وكل غريب تواق للبحث عن الأفضل ، ومطرب الحي لا يطرب ، وأشياء كثيرة تشير إلى أن الغريب في أي مكان شخص باحث عن الذات أكثر من صاحب الوطن "السوريون في مصر "والمصريون في كل مكان .

 

وربما يسوقنا هذا الى الأية القرأنية "الم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها "، وهي دعوة لطلب الرزق واكتساب الخبرات والبحث عن مستوى أفضل ، وهذا سلوك مؤيد من الله ، إذا خرجت باحثاً عن طيب العيش والتعلم ولديك نية صادقة لذلك ، فالله يده فوق يدك ، وهو معينك وصديقك وأهلك وسندك في غربتك .. والنماذج كثيرة لمن عقدوا العزم وذهبوا ، وسرعان ما دخلوا موسوعة الأثرياء واصحاب الحسابات البنكية ، وموسوعة العلماء أيضاً .


لكن هناك معضلة يجب أن يلتفت الجميع اليها ، وهي هجرة العقول الغير تقليدية ، سواء كانت هجرة داخلية أو خارجية ، وهذا سر من أسرار بقاء حال المجتمعات بدون تقدم يذكر ، أو تقدم ملموس قياساً بعالم متسارع الخطى فى اللحاق بركب من سيقيموا على سطح القمر أو الذين صنعوا شمساً أخرى فى الصين.. لا يجب أن نتخلى عن عقولنا المبدعة وندفعهم للهجرة في بلاد العم سام وحام وخام ولام وكل ما ينتهي بلام ، المحافظ في مدينته يبحث عن عقول اقليمه ويستفيد بهم لنهضته ، ورئيس المدينة كذلك ، ورؤساء الجامعات ، حتى رجال الأعمال بالاقاليم المختلفة ، ما الذي يمنع من تبنى أصحاب الأفكار والإنفاق عليهم لصنع شيئ جديد يساعد البلد على النهوض !

 

ومنذ أن وعيت على الدنيا وأسمع عن ذاك الذي تفوق لكنه يقيم فى امريكا ، وهذا الذي أبدع فأقام في فرنسا ، وفلان الذي جاء بغير المألوف لكنه أصبح مواطن انجليزي ، والذي خطط لصنع الطائرة ، فتحول لمواطن الماني ، ولم اعي على واحد برع في شيئ ويقيم في بلده "إنهم قليلون جداً".

 

تُرى هي مشكلة من ؟..مشكلة الذين يتركون بلادهم دون بذل بعض الجهد للعمل بها والترقي فيها ومساعدتها ، أم هي مشكلة إدارة تنبذ كل صاحب موهبة ، أم مشكلة مجتمع يحارب كل مبدع ، أم مشكلة موروث يدفع بنا للهروب للخارج دون انتظار أن هناك مستقبل ينتظرنا في وطننا ؟؟

 

أرى أن مصر الآن لم تعد كالماضي ، وبات فيها أشياء إيجابية أكثر من ذي قبل ، وهناك جهود لجمع الشمل من جديد .. راقبوا حركة الشباب فى الفترة الأخيرة ، تجدونهم في المجالس النيابية والكتل الحزبية وداخل أروقة الوزارات والدواوين، وهذا أمر كان مستعصي فى الماضي ، وهي خطوة لم اقل أنها قضت على الماضي وموروثه وشوائبه ، لكنها خطوة تحتاج لأن تمتد لكل الربوع وتطول كل القرى والكفور ، خطوة تمسك بكل مبدع وصاحب فكر ، تقيده "حباً وانتماء" في بلده فلا يبرحها ، ويعمل بها حتى لو كان المقابل ضئيلاً قياساً بما هو فى الخارج .
ومن يعي ويدرك قول الشاعر"بلدي وإن جارت عليَّ عزيزة وقومي وإن ضنوا عليَّ كرام ..ااجعلها تحت الثرى ثم ابتغي لها خلاصاً..إني إذاً لوضيع "، يدرك حقيقة معنى الوطن وحبه والانصهار فيه .

أقرأ أيضا: بروتوكول تعاون بين جامعة السويس وشركة السويس لتصنيع البترول

التعليقات

أستطلاع الرأي